حبيب الله الهاشمي الخوئي

335

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

مع عموم قدرته عليها لزم وقوعها . ( و ) لكنه لم يتعلَّق إرادته بها فلم يفعلها ولم تقع إذ ( لو فعل ) لترتّب عليه مفاسد كثيرة وأمور كلَّها خلاف مقتضى الحكمة الالهيّة والنظم الأصلح وهى ستّة أمور : أحدها ما أشار إليه بقوله ( لسقط البلاء ) أي لو وقع هذه الأمور لسقط ابتلاء المتكبّرين بالمستضعفين من الأنبياء والمرسلين وارتفع اختبارهم بهم ، إذ مع وقوعها ارتفع الضعف عنهم وانتفى علَّة الاستضعاف ( و ) ثانيها أنه ( بطل الجزاء ) لأنّ الجزاء مترتّب على التسليم للأنبياء وعلى امتثال التكاليف الالهيّة على وجه الخلوص ، ومع كون الأنبياء حين بعثهم بزينة الملوك والسلاطين يكون الانقياد لهم وامتثال أو امرهم ونواهيهم عن رغبة مائلة أو رهبة قاهرة ، فلا تكون طاعتهم عن إخلاص حتى يستحقّ المطيعون للجزاء كما هو واضح لا يخفى . ( و ) ثالثها أنه ( اضمحلَّت الأنباء ) اى أخبار الأنبياء ، والمراد باضمحلالها انمحاؤها وذهاب أثرها . وذلك لأنّ الغرض الأصلي من بعثهم ورسالتهم أن يجذبوا الخلق إلى الحقّ الأوّل عزّ وجلّ ويزهّدوهم عن الدّنيا ويرغَّبوهم في الآخرة ، فإذا فتحت لهم أبواب الكنوز والمعادن ، واشتغلوا بزخارف الدّنيا وكانوا بزّى أهلها لم يؤثّر موعظتهم في القلوب ولم يبق وقع للرسالة عند الناس ، ولا وجدوا للمبعوثين إليهم مقالا وتعريضا عليهم بأن يقولوا يا أيّها الرّسل لم تقولون ما لا تفعلون ، أنتم تزهّدونا عن الدّنيا وترغبون فيها ، وترغَّبونا في الآخرة واشتغالكم بغيرها ، فيبطل بذلك المقصود الأصلي من البعث واضمحلَّت الرسالة إذا هذا . وقال الشارح البحراني في وجه اضمحلال الأنباء ما محصّله : إنّ الأنبياء وإن كانوا أكمل الخلق نفوسا وأقواهم استعدادا لقبول الكمالات النفسانية ، إلَّا أنهم محتاجون إلى الريّاضة التّامة بالاعراض عن الدّنيا وطيباتها وهو الزهد الحقيقي ،